Saturday, 31 January 2026
إعلان

بلادنا

نموذجًا لسينما المقاومة الرقمية ;فلسطين 36;

Admin 26 Jan 2026 12:16 23 مشاهدة
نموذجًا لسينما المقاومة الرقمية ;فلسطين 36;
راديو وتلفزيون سوا


على المستوى الشكلي، يبرز دور الأرشيف والمونتاج بوصفهما عنصرين مهيمنين في بنية "فلسطين 36". إذ لا تُستخدم اللقطات الأرشيفية بوصفها فواصل تاريخية فحسب، بل بوصفها جزءًا أساسيًا من النسيج السردي...

"فلسطين 36" فيلم روائي يتناول أحداث الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939، في مرحلة كانت فيها فلسطين خاضعة لحكم الانتداب البريطاني. يستعرض الفيلم الحركات الاحتجاجية والثورية التي واجهت هذا الانتداب، ويُبرز تصاعد الهجرة اليهودية إلى فلسطين بوصفها عنصرًا مفصليًا في تشكّل الصراع.
تتنقّل الأحداث بين قرية البسمة ومدينة القدس، في بنية سردية تُظهر تداخل الحياة القروية والمدينة ضمن سياق الثورة، وفي قلب هذه التحوّلات تبرز شخصية يوسف، الشاب القروي الذي ينخرط تدريجيًا في العمل الثوري. كما يتناول الفيلم قرار لجنة بيل، التي أوصت بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، ويكشف سياسات القمع والاستعمار، من خلال دمج لقطات أرشيفية حقيقية تربط الماضي بالحاضر. ويُختتم العمل بالتأكيد على أن جذور الواقع الراهن تعود إلى ثورة 1936، ليطرح سؤالًا مركزيًا: كيف يمكن للسينما أن تجعل الماضي أداة لفهم الحاضر؟ وكيف يتحوّل التاريخ إلى نصٍّ مقاوم؟
يمكن الإشارة هنا إلى أن السينما الفلسطينية أسّست، عبر مسارها التاريخي، نوعًا سينمائيًا مستقلًا بات يُعرف بـ"سينما المقاومة". فالمتتبّع للإنتاج السينمائي الفلسطيني، منذ بداياته في ثلاثينيات القرن العشرين وحتى فيلم "فلسطين 36"، يلاحظ أن هذا النمط تَشكّل على أيدي سينمائيي فلسطين بوصفه استجابة مباشرة لطول أمد التجربة النضالية، التي عبّر عنها صُنّاع الأفلام عبر عقود متتالية. وقد أسهم هذا الامتداد الزمني في ترسيخ سمات دلالية وجمالية مشتركة، جعلت من "سينما المقاومة" نمطًا سينمائيًا قائمًا بذاته، الأمر الذي يبرز أهمية إدراجه ضمن التصنيفات المعتمدة في الدراسات السينمائية، كما يتجلّى بوضوح في المعالجة التي قدّمتها المخرجة آن ماري جاسر للثورة الفلسطينية في فيلمها "فلسطين 36".
الفيلم من إخراج الفلسطينية آن ماري جاسر، وهو إنتاج فلسطيني مشترك مع دول أخرى. عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي عام 2025، وحصل على جائزة أفضل فيلم في مهرجان طوكيو، كما ترشّح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي في دورته الثامنة والتسعين عام 2026. تمتلك جاسر رصيدًا سينمائيًا متنوعًا يشمل الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والوثائقية، وتنتمي، بوصفها مولودة في بيت لحم وخريجة جامعة كولومبيا، إلى تيار السينما الفلسطينية المستقلة، الذي يمزج الواقعية الاجتماعية بسينما المقاومة الرقمية، حيث لا تُستخدم الأدوات التقنية استخدامًا حياديًا، بل تُوظَّف كوسيلة لإعادة قراءة التاريخ من منظور مقاوم.
الأرشيف والمونتاج: بناء الذاكرة بوصفها فعلًا بصريًا
على المستوى الشكلي، يبرز دور الأرشيف والمونتاج بوصفهما عنصرين مهيمنين في بنية "فلسطين 36". إذ لا تُستخدم اللقطات الأرشيفية بوصفها فواصل تاريخية فحسب، بل بوصفها جزءًا أساسيًا من النسيج السردي. يعتمد الفيلم على عدد كبير من المشاهد التسجيلية التي تُظهر تفاصيل الحياة الفلسطينية في الماضي، من الأسواق والبيوت والجبال والشواطئ، إلى القطارات والحافلات، وغيرها من مظاهر الحياة اليومية. وتُدمج هذه اللقطات مع المشاهد المصوّرة حديثًا بأسلوب سلس، يُحوّل الماضي إلى حاضر بصري، ويجعل المتلقّي يشعر بأنه يعيش التاريخ بدل الاكتفاء بمشاهدته.
وعندما تُدمج المادة الأرشيفية داخل السياق الروائي، تفقد استقلالها التاريخي، وتتحوّل إلى عنصر تعبيري خاضع لرؤية المخرجة، لتصبح جزءًا من البناء الدرامي والدلالي، لا مجرد وثيقة موضوعية. كما أن إعادة تلوين اللقطات الأرشيفية بصبغة لونية ذات طابع قديم (Sepia) أضفت عليها مستوى عاليًا من الواقعية، وأسهمت في محو الحدود الزمنية بين الماضي والحاضر. هذا الأسلوب في المونتاج يتقاطع مع نظرية سيرغي أيزنشتاين حول "المونتاج الفكري"، حيث تتولّد الأفكار من تصادم اللقطات، ويتحوّل المونتاج من أداة تقنية إلى أداة فكرية.
يحمل الأرشيف داخل الفيلم وظائف متعددة تتجاوز البعد التوثيقي؛ فهو يعزّز الإقناع والصدق لدى المتلقي، إذ تُستقبل الصورة الأرشيفية بوصفها حقيقة بصرية، حتى عندما تُوظَّف داخل سياق تخييلي، فتنتج ما يمكن تسميته بـ"الحقيقة داخل الخيال". كما يفتح الأرشيف أفقًا زمنيًا يتجاوز زمن القصة، عبر المقارنة المستمرة بين الماضي والحاضر والمستقبل، ويؤدي وظيفة رمزية تتحوّل فيها اللقطات الأرشيفية إلى استعارات تختصر معاني القمع والمقاومة والهوية. فضلًا عن ذلك، يشكّل الأرشيف شهادة بصرية على الحدث التاريخي، ويوفّر بديلًا عمليًا لتصوير مشاهد يصعب تنفيذها بسبب كلفتها أو خطورتها، بما يعزّز واقعية الصورة وموثوقيتها.
القراءة الدلالية وسينما المقاومة
على مستوى القراءة الدلالية، يعيد "فلسطين 36" سرد الثورة الفلسطينية الكبرى من منظور فلسطيني، ويُظهر كيف شكّل الاستعمار البريطاني اللبنة الأولى للصراع، عبر سياساته القمعية ودعمه للهجرة اليهودية، ما أسهم في تحويل الفلسطيني إلى غريب في أرضه. وبهذا المعنى، لا يُقدَّم التاريخ بوصفه حدثًا منقضيًا، بل بوصفه مسارًا يتكرّر بأشكال مختلفة عبر الزمن، حيث يُفهم الحاضر بوصفه امتدادًا مباشرًا للماضي.
يتحوّل الأرشيف في الفيلم من أداة توثيقية إلى وسيلة مقاومة بصرية، إذ يدحض أسطورة "أرض بلا شعب" عبر تقديم أدلة مادية على وجود مجتمع فلسطيني مدني ومتجذّر. وبذلك، يُسهم الأرشيف في حماية الهوية الوطنية من الطمس، ويغدو وثيقة دفاعية عن التاريخ والوجود.
ويفرض أسلوب التصوير الأرشيفي، الذي يعتمد غالبًا اللقطة العامة (Master Shot) أو اللقطة البعيدة (Long Shot)، أثره على الأسلوب البصري للفيلم، حيث تتبنّى المخرجة هذا النهج في تصوير المشاهد الدرامية، بما يعزّز واقعية العمل ويُقلّص الفجوة بين الصورة الحديثة والمادة الأرشيفية.
يعالج الفيلم قضايا متعدّدة، منها الأرض والهوية، والانقسام الاجتماعي، والتهجير، ودور المرأة في المقاومة، ويقدّم المقاومة بوصفها نتيجة مباشرة للقهر الاقتصادي والسياسي، لا بطولة فردية معزولة. تتجلّى هذه الرؤية في تحوّلات شخصيات مثل يوسف وخالد، وتُعالج سينمائيًا عبر مونتاج يدمج الأرشيف بالتمثيل، فتتحوّل الذاكرة إلى خطاب بصري معاصر، يعزّز الإحساس بالاستمرارية الزمنية للصراع. كما تسهم بنية الصورة، واختيار مواقع التصوير، والإضاءة الطبيعية، واللون الموحد، في ترسيخ الواقعية التاريخية للعمل.
نجح "فلسطين 36" في تقديم التاريخ الفلسطيني بصيغة إنسانية، بعيدة عن المبالغة والخطابية المباشرة. كما منح البناء البصري، والإيقاع الهادئ، والمكان، العمل عمقًا إضافيًا، إذ ربط أحداث عام 1936 بالواقع المعاصر من دون شرح مباشر، وأسهم في بناء وعي عالمي بجذور القضية الفلسطينية.
وفي الختام، يُعدّ "فلسطين 36" نموذجًا لسينما المقاومة الرقمية، يثبت أن النضال لا يُمارَس بالسلاح وحده، بل أيضًا عبر الصورة والتكنولوجيا. وهنا يبرز السؤال المفتوح: هل تستطيع السينما الرقمية حماية ذاكرة الحاضر من المحو كما فعل الأرشيف؟ أم أن تسارع إنتاج الصورة اليوم يهدّد دورها بوصفها شاهدًا تاريخيًا؟

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً
بث مباشر الآن
البث المباشر تلفزيون سوا لاعلان ناجح 0559990333
شاهد الآن
اليوم
غائم
19/11°
غداً
غائم
21/13°
بعد غد
غائم
21/10°
🇺🇸
دولار أمريكي
سعر الشراء
3.0800
شيكل
سعر البيع
3.1200
شيكل
🇯🇴
دينار أردني
سعر الشراء
4.3410
شيكل
سعر البيع
4.4010
شيكل
🇪🇺
يورو
سعر الشراء
3.6661
شيكل
سعر البيع
3.7061
شيكل
🇪🇬
جنيه مصري
سعر الشراء
0.0651
شيكل
سعر البيع
0.0671
شيكل
آخر تحديث: 13:19
حظك اليوم

الحمل

العنصر
ناري
اللون
يوم مليء بالطاقة والحماس! استثمر هذه الطاقة الإيجابية في تحقيق أهدافك وطموحاتك. الفرص تطرق بابك، فلا تتردد في اتخاذ القرارات الجريئة.
أرقام حظك اليوم
6 10 28 29 41
توقعات يوم 31/01/2026
تابعنا
  الاعلانات